علم الدين السخاوي

631

جمال القرّاء وكمال الإقراء

وقد قيل : أن أول ما نزل في ذلك قوله عزّ وجلّ : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 1 » ؛ ، قيل : أعلم اللّه عزّ وجلّ نبيه ما هم قائلون . فقال : إذا قالوا ذلك ، فقل لهم : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ . وقد تقدم أيضا قوله وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى « 2 » ، فهذا يدل على ما قلناه من أن قوله عزّ وجلّ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، ( 58 / ب ) أمر بالدوام على ما كان أمره به من اتخاذ المقام مصلى « 3 » ، ثم أن هذه الآيات كلها في قصة واحدة بخلاف الناسخ والمنسوخ ، ولم يقل أحد من المفسّرين أن قوله عزّ وجلّ : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ نزل بعد قوله عزّ وجلّ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ . . وإنما وهم الزمخشري ، فظن الأخبار بما يكون بعد الشيء قبل وقوعه هو الواقع بعده ، وهذا غلط بين « 4 » ، وإنما مثال هذا أن يقول الملك لمن يريد أن يوليه ناحية : سيطعن « 5 » السفهاء في ولايتك ، ثم يقول ( له ) « 6 » بعد ذلك : تولّ ناحية كذا ، كذلك قال « 7 » اللّه عزّ وجلّ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ . . الآية ، أخبارا بما سيكون بعد التولية ، ثم قال سبحانه بعد ذلك : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ الآية . وهذا واضح جدا ، وقد خفى عليه هذا ، فصار إلى ما صار إليه من تقدم الآية في التلاوة ، وتأخرها في الإنزال ، وليس بهين أن يجعل كلام اللّه عزّ وجلّ بهذه المثابة . بل أقول : إن الآية غير منسوخة بالتي تقدمت « 8 » ، بل معناها : أن المتوفى

--> ( 1 ) البقرة : ( 115 ) . وقد سبق أن ذكر المصنف أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ على أحد الأقوال التي قيلت في ذلك . ( 2 ) البقرة : ( 125 ) . ( 3 ) يريد السخاوي أن هذه الآية متقدمة في التلاوة وفي ترتيب آيات السورة ، وجاءت قبل سَيَقُولُ السُّفَهاءُ . . . وقبل قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ وغيرها من الآيات التي تتحدث عن القبلة ، مما يدل على أن اللّه أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بالدوام على ما كان عليه ، إذا فليس هناك نسخ ، واللّه أعلم . ( 4 ) في د : وهذا غلط منه . وفي ظ : وهم هذا غلط منه . ( 5 ) في د وظ : ستطعن السفهاء . ( 6 ) ساقط من الأصل ( له ) . ( 7 ) في د : فقال اللّه . ( 8 ) وهذا قول مجاهد - وسيأتي - وقد تقدم أن الجمهور يقولون بالنسخ هنا .